Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 75:37-40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الدَّلِيلُ الثّانِي عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ: الِاسْتِدْلالُ بِالخِلْقَةِ الأُولى عَلى الإعادَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: النُّطْفَةُ هي الماءُ القَلِيلُ، وجَمْعُها نِطافٌ ونُطَفٌ، يَقُولُ: ألَمْ يَكُ ماءً قَلِيلًا في صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِ المَرْأةِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ أيْ: يُصَبُّ في الرَّحِمِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في ”يُمْنى“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ”يُمْنى“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ إشارَةٌ إلى حَقارَةِ حالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ الَّذِي جَرى عَلى مَخْرَجِ النَّجاسَةِ، فَلا يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا الشَّيْءِ أنْ يَتَمَرَّدَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في عِيسى ومَرْيَمَ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [ المائِدَةِ: ٧٥] والمُرادُ مِنهُ قَضاءُ الحاجَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ”يُمْنى“ في هَذِهِ السُّورَةِ قِراءَتانِ التّاءُ والياءُ، فالتّاءُ لِلنُّطْفَةِ، عَلى تَقْدِيرِ: ألَمْ يَكُ نُطْفَةً تُمْنى مِنَ المَنِيِّ، والياءُ لِلْمَنِيِّ مِن ”مَنِيٍّ يُمْنى“، أيْ: يُقَدَّرُ خَلْقُ الإنْسانِ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: فَخَلَقَ فَقَدَّرَ فَسَوّى فَعَدَلَ.