Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 75:26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”كَلّا“ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا عَرَفْتُمْ صِفَةَ سَعادَةِ السُّعَداءِ وشَقاوَةِ الأشْقِياءِ في الآخِرَةِ، وعَلِمْتُمْ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لَها إلى الدُّنْيا، فارْتَدِعُوا عَنْ إيثارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وتَنَبَّهُوا عَلى ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ العاجِلَةُ عَنْكم، وتَنْتَقِلُونَ إلى الآجِلَةِ الَّتِي تَبْقُونَ فِيها مُخَلَّدِينَ، وقالَ آخَرُونَ: ﴿كَلّا﴾ أيْ: حَقًّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ كانَ كَذا وكَذا، والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ تَعْظِيمَ أحْوالِ الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الدُّنْيا لا بُدَّ فِيها مِن الِانْتِهاءِ والنَّفادِ والوُصُولِ إلى تَجَرُّعِ مَرارَةِ المَوْتِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿كَلّا﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُ الكافِرُ بِما ذُكِّرَ مِن أمْرِ القِيامَةِ، ولَكِنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَدْفَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، ومِن تَجَرُّعِ آلامِها، وتَحَمُّلِ آفاتِها.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي تُفارِقُ الرُّوحُ فِيها الجَسَدَ فَقالَ: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٢٠٤
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ إذا بَلَغَتِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ، أخْبَرَ عَمّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ [ القَدْرِ: ١] والتَّراقِي جَمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهي عَظْمٌ وصَلَ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ، والعاتِقِ مِنَ الجانِبَيْنِ.