Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 75:1-2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّها ورَدَتْ نَفْيًا لِكَلامٍ ذُكِرَ قَبْلَ القَسَمِ، كَأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ فَقِيلَ: لا لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، ثُمَّ قِيلَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا أيْضًا فِيهِ إشْكالٌ، لِأنَّ إعادَةَ حَرْفِ النَّفْيِ مَرَّةً أُخْرى في قَوْلِهِ: ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرُوهُ تَقْدَحُ في فَصاحَةِ الكَلامِ.
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنَّ ”لا“ هَهُنا لِنَفْيِ القَسَمِ كَأنَّهُ قالَ: لا أُقْسِمُ عَلَيْكم بِذَلِكَ اليَوْمِ وتِلْكَ النَّفْسِ، ولَكِنِّي أسْألُكَ غَيْرَ مُقْسِمٍ أتَحْسَبُ أنّا لا نَجْمَعُ عِظامَكَ إذا تَفَرَّقَتْ بِالمَوْتِ، فَإنْ كُنْتَ تَحْسَبُ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ وهو الأصَحُّ، ويُمْكِنُ تَقْدِيرُ هَذا القَوْلِ عَلى وُجُوهٍ أُخَرَ:
أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ فَإنَّ هَذا المَطْلُوبَ أعْظَمُ وأجَلُّ مِن أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ تَعْظِيمَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَفْخِيمَ شَأْنِهِ.
وثانِيها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، فَإنَّ إثْباتَهُ أظْهَرُ وأجْلى وأقْوى وأحْرى مِن أنْ يُحاوِلَ إثْباتَهُ بِمِثْلِ هَذا القَسَمِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ أيْ: كَيْفَ خَطَرَ بِبالِهِ هَذا الخاطِرُ الفاسِدُ مَعَ ظُهُورِ فَسادِهِ.