Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 74:5-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ السّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تَمْنُنْ عَلى النّاسِ بِما تُنْعِمُ عَلَيْهِمْ وتُعْطِيهِمُ اسْتِكْثارًا مِنكَ لِتِلْكَ العَطِيَّةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ تَسْتَقِلَّها وتَسْتَحْقِرَها وتَكُونَ كالمُعْتَذِرِ مِن ذَلِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ الإنْعامِ، فَإنَّ الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلَةٌ، فَكَيْفَ ذَلِكَ القَدْرُ الَّذِي هو قَلِيلٌ في غايَةِ القِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا.
وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ كالمُرَتَّبَةِ:
فالوَجْهُ الأوَّلُ مَعْناهُ: كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَمْنُوعًا مِن طَلَبِ الزِّيادَةِ في العِوَضِ.
والوَجْهُ الثّانِي مَعْناهُ: كَوْنُهُ مَمْنُوعًا عَنْ طَلَبِ مُطْلَقِ العِوَضِ، زائِدًا كانَ أوْ مُساوِيًا أوْ ناقِصًا.
والوَجْهُ الثّالِثُ مَعْناهُ: أنْ يُعْطِيَ ويَنْسِبَ نَفْسَهُ إلى التَّقْصِيرِ ويَجْعَلَ نَفْسَهُ تَحْتَ مِنَّةِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ الإنْعامَ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: مَعْناهُ إذا أعْطَيْتَ شَيْئًا فَلا يَنْبَغِي أنْ تَمُنَّ عَلَيْهِ بِسَبَبِ أنَّكَ تَسْتَكْثِرُ تِلْكَ العَطِيَّةَ، فَإنَّ المَنَّ مُحْبِطٌ لِثَوابِ العَمَلِ، قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: ”تَسْتَكْثِرْ“ بِالجَزْمِ، وأكْثَرُ المُحَقِّقِينَ أبَوْا هَذِهِ القِراءَةَ، ومِنهم مَن قَبِلَها، وذَكَرُوا في صِحَّتِها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَمْنُنْ لا تَسْتَكْثِرْ.