Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 73:7-8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ في السُّورَةِ الأُخْرى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ وإنَّما تَكُونُ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ الرَّبِّ إذا كُنْتَ في مَقامِ مُطالَعَةِ رُبُوبِيَّتِهِ، ورُبُوبِيَّتُهُ عِبارَةٌ عَنْ أنْواعِ تَرْبِيَتِهِ لَكَ وإحْسانِهِ إلَيْكَ، فَما دُمْتَ في هَذا المَقامِ تَكُونُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُطالَعَةِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ فَلا تَكُونُ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَزْدادُ التَّرَقِّي فَتَصِيرُ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ إلَهِيَّتِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٠] وفي هَذا المَقامِ يَكُونُ الإنْسانُ في مَقامِ الهَيْبَةِ والخَشْيَةِ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ إشارَةٌ إلى القَهارِيَّةِ والعِزَّةِ والعُلُوِّ والصَّمَدِيَّةِ، ولا يَزالُ العَبْدُ يَرْقى في هَذا المَقامِ مُتَرَدِّدًا في مَقاماتِ الجَلالِ والتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ إلى أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى مَقامِ الهَوِيَّةِ الأحَدِيَّةِ، الَّتِي كَلَّتِ العِباراتُ عَنْ شَرْحِها، وتَقاصَرَتِ الإشاراتُ عَنِ الِانْتِهاءِ إلَيْها، وهُناكَ الِانْتِهاءُ إلى الواحِدِ الحَقِّ، ثُمَّ يَقِفُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ نَظِيرٌ في الصِّفاتِ، حَتّى يَحْصُلَ الِانْتِقالُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ولا تَكُونُ الهَوِيَّةُ مُرَكَّبَةً حَتّى يَنْتَقِلَ نَظَرُ العَقْلِ مِن جُزْءٍ إلى جُزْءٍ، ولا مُناسِبَةً لِشَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ المُدْرَكَةِ عَنِ النَّفْسِ حَتّى تُعْرَفَ عَلى سَبِيلِ المُقايَسَةِ، فَهي الظّاهِرَةُ لِأنَّها مَبْدَأُ ظُهُورِ كُلِّ ظاهِرٍ، وهي الباطِنَةُ؛ لِأنَّها فَوْقَ عُقُولِ كُلِّ المَخْلُوقاتِ، فَسُبْحانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ واخْتَفى عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: