Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 73:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: وهو المُخْتارُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ ثَقِيلًا عِظَمُ قَدْرِهِ وجَلالَةُ خَطَرِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ نَفَسَ وعَظُمَ خَطَرُهُ فَهو ثُقْلٌ وثَقِيلٌ وثاقِلٌ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ يَعْنِي كَلامًا عَظِيمًا، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِصَلاةِ اللَّيْلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أمَرْتُكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِأنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَلا بُدَّ وأنْ تَسْعى في صَيْرُورَةِ نَفْسِكَ مُسْتَعِدَّةً لِذَلِكَ القَوْلِ العَظِيمِ، ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ إلّا بِصَلاةِ اللَّيْلِ، فَإنَّ الإنْسانَ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ إذا اشْتَغَلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وأقْبَلَ عَلى ذِكْرِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ، والتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ مِنَ الشَّواغِلِ الحِسِّيَّةِ، والعَوائِقِ الجُسْمانِيَّةِ اسْتَعَدَّتِ النَّفْسُ هُنالِكَ لِإشْراقِ جَلالِ اللَّهِ فِيها، وتَهَيَّأتْ لِلتَّجَرُّدِ التّامِّ، والِانْكِشافِ الأعْظَمِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، فَلَمّا كانَ لِصَلاةِ اللَّيْلِ أثَرٌ في صَيْرُورَةِ النَّفْسِ مُسْتَعِدَّةً لِهَذا المَعْنى، لا جَرَمَ قالَ: إنِّي إنَّما أمَرْتُكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ؛ لِأنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، فَصَيِّرْ نَفْسَكَ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ ذَلِكَ المَعْنى، وتَمامُ هَذا المَعْنى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ ألا فَتَعَرَّضُوا لَها“ .