Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 73:2-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّ الواجِبَ إذا كانَ هو النِّصْفَ لَمْ يَخْرُجْ صاحِبُهُ عَنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ إلّا بِزِيادَةِ شَيْءٍ قَلِيلٍ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ في الحَقِيقَةِ نِصْفًا وشَيْئًا، فَيَكُونُ الباقِي بَعْدَ ذَلِكَ أقَلَّ مِنهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْناهُ قُمِ اللَّيْلَ إلّا نَصِفَهُ، فَيَكُونُ الحاصِلُ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ يَعْنِي أوِ انْقُصْ مِن هَذا النِّصْفِ نِصْفَهُ حَتّى يَبْقى الرُّبُعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي أوْ زِدْ عَلى هَذا النِّصْفِ نِصْفَهُ حَتّى يَصِيرَ المَجْمُوعُ ثَلاثَةَ أرْباعٍ، وحِينَئِذٍ يَرْجِعُ حاصِلُ الآيَةِ إلى أنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَقُومَ تَمامَ النِّصْفِ، وبَيْنَ أنْ يَقُومَ رُبُعَ اللَّيْلِ، وبَيْنَ أنْ يَقُومَ ثَلاثَةَ أرْباعِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الواجِبُ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ هو قِيامُ الرُّبُعِ، والزّائِدُ عَلَيْهِ يَكُونُ مِنَ المَندُوباتِ والنَّوافِلِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقُمْ ثُلْثَيِ اللَّيْلِ، ولا نِصْفَهُ، ولا ثُلُثَهُ؛ لِأنَّ الواجِبَ لَمّا كانَ هو الرُّبُعُ فَقَطْ لَمْ يَلْزَمْ مِن تَرْكِ قِيامِ الثُّلُثِ تَرْكُ شَيْءٍ مِنَ الواجِباتِ، فَزالَ السُّؤالُ المَذْكُورُ، واللَّهُ أعْلَمُ.