Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 72:23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الذَّنْبِ، صارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ حالَ سائِرِ المُذْنِبِينَ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافِرُونَ: ٦] أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم. وإذا ثَبَتَ أنَّ لَهم هَذِهِ الحالَةَ لا لِغَيْرِهِمْ، وجَبَ في سائِرِ المُذْنِبِينَ أنْ لا يَكُونَ لَهم نارُ جَهَنَّمَ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ لَنا عَلَيْهِمْ. وعَلى تَمَسُّكِهِمْ بِالآيَةِ سُؤالٌ آخَرُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي، وذَلِكَ هو الكافِرُ، ونَحْنُ نَقُولُ بِأنَّ الكافِرَ يَبْقى في النّارِ مُؤَبَّدًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن عَصى اللَّهَ بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ جَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي عَنْهُ، مِثْلُ أنْ يُقالَ: ومَن يَعْصِ اللَّهَ إلّا في الكُفْرِ وإلّا في الزِّنا، وإلّا في شُرْبِ الخَمْرِ، ومِن مَذْهَبِ القائِلِينَ بِالوَعِيدِ أنَّ حُكْمَ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَكانَ داخِلًا تَحْتَ اللَّفْظِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ مُتَناوِلًا لِمَن أتى بِكُلِّ المَعاصِي، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ هو الكافِرُ، فالآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَسَقَطَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها. فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ الإنْسانِ الواحِدِ آتِيًا لِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي مُحالٌ؛ لِأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ قائِلًا بِالتَّجْسِيمِ، وأنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ قائِلًا بِالتَّعْطِيلِ، وإذا كانَ ذَلِكَ مُحالًا فَحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ جائِزٍ، قُلْنا: تَخْصِيصُ العامِّ بِدَلِيلِ العَقْلِ جائِزٌ، فَقَوْلُنا: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي، تَرَكَ العَمَلَ بِهِ في القَدْرِ الَّذِي امْتَنَعَ عَقْلًا حُصُولُهُ فَيَبْقى مُتَناوِلًا لِلْآتِي بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَها. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الكُفْرِ وغَيْرِهِ مُمْكِنٌ فَتَكُونُ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِهِ.