Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 72:19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: إلى الجِنِّ، ومَعْنى قامَ يَدْعُوهُ أيْ قامَ يَعْبُدُهُ يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا القِراءَةَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا، أيْ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا، وساجِدًا. وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا ما لَمْ يَسْمَعُوا مِثْلَهُ.
والثّانِي: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ مُخالِفًا لِلْمُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمُ الأوْثانَ، كادَ المُشْرِكُونَ لِتَظاهُرِهِمْ عَلَيْهِ وتَعاوُنِهِمْ عَلى عَداوَتِهِ، يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: وهو قَوْلُ قَتادَةَ، لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ، وتَظاهَرُوا عَلَيْهِ لِيُبْطِلُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ ويُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُظْهِرَهُ عَلى مَن عاداهُ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ، فالوَجْهانِ أيْضًا عائِدانِ فِيهِ، وقَوْلُهُ: (لِبَدًا) فَهو جَمْعُ لِبْدَةٍ وهو ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ وارْتَكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وكُلُّ شَيْءٍ ألْصَقْتَهُ بِشَيْءٍ إلْصاقًا شَدِيدًا فَقَدْ لَبَّدْتَهُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ هَذِهِ اللُّبُودِ الَّتِي تُفْرَشُ. ويُقالُ: لِبْدَةُ الأسَدِ لِما يَتَلَبَّدُ مِنَ الشَّعْرِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
صفحة ١٤٥