Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 72:1-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفِرْقَةُ الأُولى: الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، وهَذا قَوْلُ الأشْعَرِيِّ وجُمْهُورِ أتْباعِهِ، وأدِلَّتُهم في هَذا البابِ ظاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ، قالُوا: ولَوْ كانَتِ البِنْيَةُ شَرْطًا لِلْحَياةِ لَكانَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ الحَياةَ الواحِدَةَ قامَتْ بِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ أوْ يُقالَ: قامَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ حَياةٌ عَلى حِدَةٍ، والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّ حُلُولَ العَرَضِ الواحِدِ في المَحالِّ الكَثِيرَةِ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرُ مَعْقُولٍ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ الَّتِي مِنها تَألَّفَ الجِسْمُ مُتَساوِيَةٌ، والحَياةَ القائِمَةَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها مُساوِيَةٌ لِلْحَياةِ القائِمَةِ بِالجُزْءِ الآخَرِ، وحُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، فَلَوِ افْتَقَرَ قِيامُ الحَياةِ بِهَذا الجُزْءِ إلى قِيامِ تِلْكَ الحَياةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ لَحَصَلَ هَذا الِافْتِقارُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الِافْتِقارُ فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّ قِيامَ الحَياةِ بِهَذا الجُزْءِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى قِيامِ الحَياةِ الثّانِيَةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ الثّانِي، وإذا بَطَلَ هَذا التَّوَقُّفُ ثَبَتَ أنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُ الجُزْءِ الواحِدِ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، وبَطَلَ القَوْلُ بِأنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ، قالُوا: وأمّا دَلِيلُ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البِنْيَةِ فَلَيْسَ إلّا الِاسْتِقْراءَ، وهو أنّا رَأيْنا أنَّهُ مَتى فَسَدَتِ البِنْيَةُ بَطَلَتِ الحَياةُ ومَتى لَمْ تَفْسُدْ بَقِيَتِ الحَياةُ، فَوَجَبَ تَوَقُّفُ الحَياةِ عَلى حُصُولِ البِنْيَةِ، إلّا أنَّ هَذا رَكِيكٌ، فَإنَّ الِاسْتِقْراءَ لا يُفِيدُ القَطْعَ بِالوُجُوبِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ حالَ مَن لَمْ يُشاهَدْ كَحالِ ما شُوهِدَ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ مَن يُنْكِرُ خَرْقَ العاداتِ، أمّا مَن يُجَوِّزُها فَهَذا لا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما في جَعْلِ بَعْضِها عَلى سَبِيلِ العادَةِ، وجَعْلِ بَعْضِها عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الجَوْهَرِ الفَرْدِ عِلْمًا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ وقُدْرَةً عَلى أشْياءَ شاقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ القَوْلُ بِإمْكانِ وُجُودِ الجِنِّ، سَواءٌ كانَتْ أجْسامُهم لَطِيفَةً أوْ كَثِيفَةً، وسَواءٌ كانَتْ أجَزاؤُهم كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً.