Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 72:1-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واخْتَلَفَ المُثْبِتُونَ عَلى قَوْلَيْنِ: فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا حالَّةً في الأجْسامِ، بَلْ هي جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها، قالُوا: ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها تَكُونُ مُساوِيَةً لِذاتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَوْنَها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا جُسْمانِيَّةَ سَلُوبٍ والمُشارَكَةُ في السَّلُوبِ لا تَقْتَضِي المُساواةَ في الماهِيَّةِ، قالُوا: ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الذَّواتِ بَعْدَ اشْتِراكِها في هَذا السَّلْبِ أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ كاخْتِلافِ ماهِيّاتِ الأعْراضِ بَعْدَ اسْتِوائِها في الحاجَةِ إلى المَحَلِّ فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ، وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ، وبَعْضُها كَرِيمَةٌ مُحِبَّةٌ لِلْخَيْراتِ، وبَعْضُها دَنِيئَةٌ خَسِيسَةٌ مُحِبَّةٌ لِلشُّرُورِ والآفاتِ، ولا يَعْرِفُ عَدَدَ أنْواعِهِمْ وأصْنافِهِمْ إلّا اللَّهُ، قالُوا: وكَوْنُها مَوْجُوداتٍ مُجَرَّدَةً لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِها عالِمَةً بِالخَبَرِيّاتِ قادِرَةً عَلى الأفْعالِ، فَهَذِهِ الأرْواحُ يُمْكِنُها أنْ تَسْمَعَ وتُبْصِرَ وتَعْلَمَ الأحْوالَ الخَبَرِيَّةَ وتَفْعَلَ الأفْعالَ المَخْصُوصَةَ، ولَمّا ذَكَرْنا أنَّ ماهِيّاتِها مُخْتَلِفَةٌ لا جَرَمَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ في أنْواعِها ما يَقْدِرُ عَلى أفْعالٍ شاقَّةٍ عَظِيمَةٍ تَعْجَزُ عَنْها قُدْرَةُ البَشَرِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها تَعَلُّقٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِن أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكَما أنَّهُ دَلَّتِ الدَّلائِلُ الطِّبِّيَّةُ عَلى أنَّ المُتَعَلِّقَ الأوَّلَ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لَيْسَ الإنْسانُ إلّا هي، هي الأرْواحُ وهي أجْسامٌ