Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 71:7-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَراتِبَ دَعْوَتِهِ كانَتْ ثَلاثَةً، فَبَدَأ بِالمُناصَحَةِ في السِّرِّ، فَعامَلُوهُ بِالأُمُورِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ ثَنى بِالمُجاهَرَةِ، فَلَمّا لَمْ يُؤَثِّرْ جَمَعَ بَيْنَ الإعْلانِ والإسْرارِ، وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ دالَّةٌ عَلى تَراخِي بَعْضِ هَذِهِ المَراتِبِ عَنْ بَعْضٍ إمّا بِحَسَبِ الزَّمانِ، أوْ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ؛ لِأنَّ الجِهارَ أغْلَظُ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَ الإسْرارِ والجِهارِ أغْلَظُ مِنَ الجِهارِ وحْدَهُ، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ جِهارًا ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِدَعْوَتِهِمْ نَصْبَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ أحَدُ نَوْعَيْهِ الجِهارُ، فَنُصِبَ بِهِ نَصْبَ القُرْفُصاءِ بِقَعَدَ لِكَوْنِها أحَدَ أنْواعِ القُعُودِ.
وثانِيها: أنَّهُ أُرِيدَ بِدَعَوْتُهم جاهَرْتُهم.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ دَعا بِمَعْنى دُعاءً جِهارًا، أيْ مُجاهِرًا بِهِ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُجاهَرًا.