Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 71:5-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَرى إنْسانَيْنِ يَسْمَعانِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ الكَلامُ في حَقِّ أحَدِهِما سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ، والمَيْلِ والرَّغْبَةِ، وفي حَقِّ الثّانِي سَبَبًا لِمَزِيدِ العُتُوِّ والتَّكَبُّرِ، ونِهايَةِ النَّفْرَةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ تِلْكَ النَّفْرَةَ والرَّغْبَةَ حَصَلَتا بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ، فَإنَّ هَذا مُكابَرَةٌ في المَحْسُوسِ، فَإنَّ صاحِبَ النَّفْرَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ النَّفْرَةِ، وصاحِبُ الرَّغْبَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ الرَّغْبَةِ، ومَتى حَصَلَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ التَّمَرُّدُ والإعْراضُ، وإنْ حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ الِانْقِيادُ والطّاعَةُ، فَعَلِمْنا أنَّ إفْضاءَ سَماعِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ في حَقِّ أحَدِهِما إلى الرَّغْبَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وفي حَقِّ الثّانِي إلى النَّفْرَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ لا يَكُونُ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ حُصُولَ النَّفْرَةِ والرَّغْبَةِ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِ، لَكِنْ حُصُولُ العِصْيانِ عِنْدَ النَّفْرَةِ يَكُونُ بِاخْتِيارِهِ، فَإنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مَعَ تِلْكَ النَّفْرَةِ أنْ يَنْقادَ ويُطِيعَ، قُلْنا: إنَّهُ لَوْ حَصَلَتِ النَّفْرَةُ غَيْرَ مُعارَضَةٍ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الرَّغْبَةِ بَلْ خالِصَةً عَنْ جَمِيعِ