Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 70:17-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ لَظى كَيْفَ تَدْعُو الكافِرَ، فَذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها تَدْعُوهم بِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ ؟ فَإنْ لَمْ تُجِبْكَ جُؤارًا، أجابَتْكَ اعْتِبارًا. فَهَهُنا لَمّا كانَ مَرْجِعُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكُفّارِ إلى زاوِيَةٍ مِن زَوايا جَهَنَّمَ، كَأنَّ تِلْكَ المَواضِعَ تَدْعُوهم وتُحْضِرُهم.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ الكَلامَ في جِرْمِ النّارِ حَتّى تَقُولَ صَرِيحًا: إلَيَّ يا كافِرُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمُ التِقاطَ الحَبِّ.
وثالِثُها: المُرادُ أنَّ زَبانِيَةَ النّارِ يَدْعُونَ فَأُضِيفَ ذَلِكَ الدُّعاءُ إلى النّارِ بِحَذْفِ المُضافِ.
ورابِعُها: تَدْعُو تُهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ أيْ أهْلَكَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي مَن أدْبَرَ عَنِ الطّاعَةِ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ ﴿وجَمَعَ﴾ المالَ ﴿فَأوْعى﴾ أيْ: جَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ، ولَمْ يُؤَدِّ الزَّكاةَ والحُقُوقَ الواجِبَةَ فِيها فَقَوْلُهُ: ﴿أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ إشارَةٌ إلى حُبِّ الدُّنْيا، فَجَمَعَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ، وأوْعى إشارَةٌ إلى الأمَلِ، ولا شَكَّ أنَّ مَجامِعَ آفاتِ الدِّينِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: