Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 69:28-32
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ سُرُورَ السُّعَداءِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في العَيْشِ الطَّيِّبِ وفي الأكْلِ والشُّرْبِ، كَذا هَهُنا ذَكَرَ غَمَّ الأشْقِياءِ وحُزْنَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في الغُلِّ والقَيْدِ وطَعامِ الغِسْلِينِ، فَأوَّلُها أنْ تَقُولَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: خُذُوهُ، فَيَبْتَدِرُ إلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ، وتُجْمَعُ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: أصْلَيْتُهُ النّارَ إذا أوْرَدْتُهُ إيّاها وصَلَّيْتُهُ أيْضًا كَما يُقالُ أكْرَمْتُهُ وكَرَّمْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ مَعْناهُ لا تُصْلُوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ؛ كُلُّ حَلْقَةٍ مِنها في حَلْقَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ شَيْءٍ عَلى الوَلاءِ والنِّظامِ فَهو مُسَلْسَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَرْعُها﴾ مَعْنى الذَّرْعِ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ بِالذِّراعِ مِنَ اليَدِ، يُقالُ: ذَرَعَ الثَّوْبَ يَذْرَعُهُ ذَرْعًا إذا قَدَّرَهُ بِذِراعِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ التَّقْدِيرَ بِهَذا المِقْدارِ بَلِ الوَصْفُ بِالطُّولِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ يُرِيدُ مَرّاتٍ كَثِيرَةً.