Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 68:3-4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «قالَ سَعِيدُ بْنُ هِشامٍ: قُلْتُ لِعائِشَةَ: ”أخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّهُ كانَ خُلُقَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ“ وسُئِلَتْ مَرَّةً أُخْرى فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ثُمَّ قَرَأتْ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١) إلى عَشَرَةِ آياتٍ»، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ كانَتْ بِالطَّبْعِ مُنْجَذِبَةً إلى عالَمِ الغَيْبِ، وإلى كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِها، وكانَتْ شَدِيدَةَ النَّفْرَةِ عَنِ اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ والسَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالطَّبْعِ ومُقْتَضى الفِطْرَةِ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنا شَيْئًا مِن هَذِهِ الحالَةِ. ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ”«ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ: لَبَّيْكَ“ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»﴾ وقالَ أنَسٌ: ”«خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَما قالَ لِي في شَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ ؟ ولا في شَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: هَلّا فَعَلْتَ» “ وأقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ ما يَرْجِعُ إلى قُوَّتِهِ النَّظَرِيَّةِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ، فَقالَ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النِّساءِ: ١١٣) ووَصَفَ ما يَرْجِعُ إلى قُوَّتِهِ العَمَلِيَّةِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فَلَمْ يَبْقَ لِلْإنْسانِ بَعْدَ هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ شَيْءٌ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ رُوحَهُ فِيما بَيْنَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ كانَتْ عَظِيمَةً عالِيَةَ الدَّرَجَةِ، كَأنَّها لِقُوَّتِها وشَدَّةِ كَمالِها كانَتْ مِن جِنْسِ أرْواحِ المَلائِكَةِ.