Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 67:18-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها مَعَ ثِقَلِها وضَخامَةِ أجْسامِها لَمْ يَكُنْ بَقاؤُها في جَوِّ الهَواءِ إلّا بِإمْساكِ اللَّهِ وحِفْظِهِ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأفْعالَ الِاخْتِيارِيَّةَ لِلْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، قُلْنا: نَعَمْ، وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِمْساكَ الطَّيْرِ في الهَواءِ فِعْلٌ اخْتِيارِيٌّ لِلطَّيْرِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ (النَّحْلِ: ٧٩) وقالَ هَهُنا: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: ذَكَرَ في النَّحْلِ أنَّ الطَّيْرَ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ فَلا جَرَمَ كانَ إمْساكُها هُناكَ مَحْضَ الإلَهِيَّةِ، وذَكَرَ هَهُنا أنَّها صافّاتٌ وقابِضاتٌ، فَكانَ إلْهامُها إلى كَيْفِيَّةِ البَسْطِ والقَبْضِ عَلى الوَجْهِ المُطابِقِ لِلْمَنفَعَةِ مِن رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ البَصِيرِ، كَوْنُهُ عالِمًا بِالأشْياءِ الدَّقِيقَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ بَصُرَ في هَذا الأمْرِ، أيْ حَذَقَ.