Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 67:18-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ يَعْنِي عادًا وثَمُودَ وكُفّارَ الأُمَمِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قالَ الواحِدِيُّ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي وتَغْيِيرِي، ألَيْسَ وجَدُوا العَذابَ حَقًّا.
والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: النَّكِيرُ عِقابُ المُنْكِرِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما سَقَطَ الياءُ مِن نَذِيرِي، ومِن نَكِيرِي حَتّى تَكُونَ مُشابِهَةً لِرُءُوسِ الآيِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْها، والمُتَأخِّرَةِ عَنْها. وأمّا البُرْهانُ فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى إيصالِ جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ إلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ البُرْهانُ مِن وُجُوهٍ:
البُرْهانُ الأوَّلُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ .
صفحة ٦٣
﴿صافّاتٍ﴾ أيْ باسِطاتٍ أجْنِحَتِهِنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جُنُوبَهُنَّ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وقابِضاتٍ، قُلْنا: لِأنَّ الطَّيَرانَ في الهَواءِ كالسِّباحَةِ في الماءِ، والأصْلُ في السِّباحَةِ مَدُّ الأطْرافِ وبَسْطُها، وأمّا القَبْضُ فَطارِئٌ عَلى البَسْطِ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحَرُّكِ، فَجِيءَ بِما هو طارِئٌ غَيْرُ أصْلِيٍّ بِلَفْظِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى أنَّهُنَّ صافّاتٍ، ويَكُونُ مِنهُنَّ القَبْضُ تارَةً بَعْدَ تارَةٍ، كَما يَكُونُ مِنَ السّابِحِ.
* * *