Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 67:12-14
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن خَلَقَ شَيْئًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِمَخْلُوقِهِ، وهَذِهِ المُقَدِّمَةُ كَما أنَّها مُقَرَّرَةٌ بِهَذا النَّصِّ فَهي أيْضًا مُقَرَّرَةٌ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ والتَّكْوِينِ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ، والقاصِدُ إلى الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإنَّ الغافِلَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قاصِدًا إلَيْهِ، وكَما أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الخالِقَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِماهِيَّةِ المَخْلُوقِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكَمِّيَّتِهِ؛ لِأنَّ وُقُوعَهُ عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ دُونَ ما هو أزْيَدُ مِنهُ أوْ أنْقَصُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَصْدِ الفاعِلِ واخْتِيارِهِ، والقَصْدُ مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ المِقْدارَ، وأرادَ إيجادَ ذَلِكَ المِقْدارِ حَتّى يَكُونَ وُقُوعُ ذَلِكَ المِقْدارِ أوْلى مِن وُقُوعِ ما هو أزْيَدُ مِنهُ أوْ أنْقَصُ مِنهُ، وإلّا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ المِقْدارِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ أوِ الأنْقَصِ تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ مَن خَلَقَ شَيْئًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ المَخْلُوقِ وبِكَمِّيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، وإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فَنَقُولُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأفْعالِهِ مِن وجْهَيْنِ: