Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 67:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّوْحِيدِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، فَإنَّهُ تَعالى لَوْ حَصَلَ في حَيِّزٍ دُونَ حَيِّزٍ لَكانَ ذَلِكَ الحَيِّزُ الَّذِي حَكَمَ بِحُصُولِهِ فِيهِ مُتَمَيِّزًا عَنِ الحَيِّزِ الَّذِي حَكَمَ بِأنَّهُ غَيْرُ حاصِلٍ فِيهِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَتَمَيَّزْ أحَدُ الحَيِّزَيْنِ عَنِ الآخَرِ لاسْتَحالَ الحُكْمُ بِأنَّهُ تَعالى حَصَلَ فِيهِ ولَمْ يَحْصُلْ في الآخَرِ، ثُمَّ إنَّ امْتِيازَ أحَدِ الحَيِّزَيْنِ عَنِ الآخَرِ في نَفْسِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ الحَيِّزِ أمْرًا مَوْجُودًا؛ لِأنَّ العَدَمَ المَحْضَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُشارًا إلَيْهِ بِالحِسِّ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مُتَمَيِّزًا عَنِ البَعْضِ في الحِسِّ، وأنْ يَكُونَ مَقْصِدًا لِلْمُتَحَرِّكِ، فَإذَنْ لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى حاصِلًا في حَيِّزٍ لَكانَ ذَلِكَ الحَيِّزُ مَوْجُودًا، ولَوْ كانَ ذَلِكَ الحَيِّزُ مَوْجُودًا لَكانَ شَيْئًا ولَكانَ مَقْدُورًا لِلَّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وإذا كانَ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الحَيِّزِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وبِإيجادِهِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَقَدِّمًا في الوُجُودِ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ الحَيِّزِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ كانَ وُجُودُ اللَّهِ في الأزَلِ مُحَقَّقًا مِن غَيْرِ حَيِّزٍ ولَهُ جِهَةٌ أصْلًا، والأزَلِيُّ لا يَزُولُ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَيِّزِ والمَكانِ أزَلًا وأبَدًا.