Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 67:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإلَهَ تَعالى واحِدٌ؛ لِأنّا لَوْ قَدَّرْنا إلَهًا ثانِيًا، فَإمّا أنْ يَقْدِرَ عَلى إيجادِ شَيْءٍ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ ألْبَتَّةَ عَلى إيجادِ شَيْءٍ أصْلًا لَمْ يَكُنْ إلَهًا، وإنْ قَدَرَ كانَ مَقْدُورُ ذَلِكَ الإلَهِ الثّانِي شَيْئًا، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لِلْإلَهِ الأوَّلِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ مَخْلُوقٍ بَيْنَ خالِقَيْنِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ واحِدٌ مِنهُما مُسْتَقِلًّا بِالإيجادِ، يَلْزَمُ أنْ يَسْتَغْنِيَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِما، وغَنِيًّا عَنْهُما، وذَلِكَ مُحالٌ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ جَهْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقالَ: لَوْ كانَ شَيْئًا لَكانَ قادِرًا عَلى نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لَكِنَّ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى نَفْسِهِ مُحالٌ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ شَيْئًا، وقالَ أصْحابُنا: لَمّا دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ (الأنْعامِ: ١٩) عَلى أنَّهُ تَعالى شَيْءٌ وجَبَ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ، فَإذًا هَذِهِ الآيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العامَّ المَخْصُوصَ وارِدٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ودَلَّتْ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العامِّ بِدَلِيلِ العَقْلِ جائِزٌ بَلْ واقِعٌ.