Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 64:2-4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، وقَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ إذا خَلَقَهم لَمْ يَفْعَلُوا إلّا الكُفْرَ، والإصْرارَ عَلَيْهِ فَأيُّ حِكْمَةٍ دَعَتْهُ إلى خَلْقِهِمْ ؟ نَقُولُ: إذا عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، عَلِمْنا أنَّ أفْعالَهُ كُلَّها عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، وخَلْقُ هَذِهِ الطّائِفَةِ فِعْلُهُ، فَيَكُونُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ عِلْمِنا بِذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ بَلِ اللّازِمُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهم عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ.
الثّانِي: قالَ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ وقَدْ كانَ مِن أفْرادِ هَذا النَّوْعِ مَن كانَ مُشَوَّهَ الصُّورَةِ سَمِجَ الخِلْقَةِ ؟ نَقُولُ: لا سَماجَةَ ثَمَّةَ لَكِنَّ الحُسْنَ كَغَيْرِهِ مِنَ المَعانِي عَلى طَبَقاتٍ ومَراتِبَ فانْحِطاطُ بَعْضِ الصُّوَرِ عَنْ مَراتِبِ ما فَوْقَها انْحِطاطًا بَيِّنًا لا يَظْهَرُ حُسْنُهُ، وإلّا فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الحُسْنِ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ حَدِّهِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ يُوهِمُ الِانْتِقالَ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ في جانِبٍ، فَكَيْفَ هو ؟ قُلْتُ: ذَلِكَ الوَهْمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا وإلى زَمانِنا لا بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَكُونُ في نَفْسِ الأمْرِ، فَإنَّ نَفْسَ الأمْرِ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَقِيقَةِ الِانْتِقالِ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ إذا كانَ المُنْتَقِلُ إلَيْهِ مُنَزَّهًا عَنِ الجانِبِ وعَنِ الجِهَةِ.