Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 63:7-8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فِيكَ تِيهًا قالَ: لَيْسَ بِتِيهٍ، ولَكِنَّهُ عِزَّةٌ، فَإنَّ هَذا العِزَّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ العارِفِينَ في تَحْقِيقِ هَذا المَعْنى: العِزَّةُ غَيْرُ الكِبْرِ ولا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فالعِزَّةُ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ وإكْرامُها عَنْ أنْ يَضَعَها لِأقْسامٍ عاجِلَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَما أنَّ الكِبْرَ جَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وإنْزالُها فَوْقَ مَنزِلِها فالعِزَّةُ تُشْبِهُ الكِبْرَ مِن حَيْثُ الصُّورَةِ، وتَخْتَلِفُ مِن حَيْثُ الحَقِيقَةِ كاشْتِباهِ التَّواضُعِ بِالضِّعَةِ والتَّواضُعُ مَحْمُودٌ، والضِّعَةُ مَذْمُومَةٌ، والكِبْرِ مَذْمُومٌ، والعِزَّةُ مَحْمُودَةٌ، ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَذْمُومَةٍ وفِيها مُشاكَلَةٌ لِلْكِبْرِ، قالَ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠] وفِيهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ لِإثْباتِ العِزَّةِ بِالحَقِّ، والوُقُوفُ عَلى حَدِّ التَّواضُعِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الضِّعَةِ وُقُوفٌ عَلى صِراطِ العِزَّةِ المَنصُوبِ عَلى مَتْنِ نارِ الكِبْرِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ وفي الأُخْرى ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: لِيُعْلَمَ بِالأوَّلِ قِلَّةُ كِياسَتِهِمْ وفَهْمِهِمْ، وبِالثّانِي كَثْرَةُ حَماقَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، ولا يَفْقَهُونَ مِن فَقِهَ يَفْقَهُ، كَعَلِمَ يَعْلَمُ، ومِن فَقُهَ يَفْقُهُ: كَعَظُمَ يَعْظُمُ، والأوَّلُ لِحُصُولِ الفِقْهِ بِالتَّكَلُّفِ والثّانِي لا بِالتَّكَلُّفِ، فالأوَّلُ عِلاجِيٌّ، والثّانِي مِزاجِيٌّ.