Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 62:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ: (سَبَّحَ لِلَّهِ) بِلَفْظِ الماضِي وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى التَّسْبِيحِ في المُسْتَقْبَلِ، فَقالَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ لِيَدُلَّ عَلى التَّسْبِيحِ في زَمانَيِ الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، وأمّا تَعَلُّقُ الأوَّلِ بِالآخِرِ، فَلِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ أنَّهُ كانَ يُؤَيِّدُ أهْلَ الإيمانِ حَتّى صارُوا عالِينَ عَلى الكُفّارِ، وذَلِكَ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ لا لِلْحاجَةٍ إلَيْهِ إذْ هو غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، ومُنَزَّهٌ عَمّا يَخْطُرُ بِبالِ الجَهَلَةِ في الآفاقِ، وفي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُقَدَّسًا ومُنَزَّهًا عَمّا لا يَلِيقُ بِحَضْرَتِهِ العالِيَةِ بِالِاتِّفاقِ، ثُمَّ إذا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِأجْمَعِهِمْ في تَسْبِيحِ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ المُلْكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ﴾ ولا مُلْكَ أعْظَمُ مِن هَذا، وهو أنَّهُ خالِقُهم ومالِكُهم وكُلُّهم في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ، يُسَبِّحُونَ لَهُ آناءَ اللَّيْلِ وأطْرافَ النَّهارِ بَلْ في سائِرِ الأزْمانِ، كَما مَرَّ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ، ولَمّا كانَ المُلْكُ كُلُّهُ لَهُ فَهو المَلِكُ عَلى الإطْلاقِ، ولَمّا كانَ الكُلُّ بِخَلْقِهِ فَهو المالِكُ، والمالِكُ والمَلِكُ أشْرَفُ مِنَ المَمْلُوكِ، فَيَكُونُ مُتَّصِفًا بِصِفاتٍ يَحْصُلُ مِنها الشَّرَفُ، فَلا مَجالَ لِما يُنافِيهِ مِنَ الصِّفاتِ فَيَكُونُ قُدُّوسًا، فَلَفْظُ ”المَلِكِ“ إشارَةٌ إلى إثْباتِ ما يَكُونُ مِنَ الصِّفاتِ العالِيَةِ، ولَفْظُ ﴿القُدُّوسِ﴾ هو إشارَةٌ إلى نَفْيِ ما لا يَكُونُ مِنها، وعَنِ الغَزالِيِّ ”القُدُّوسُ“ المُنَزَّهُ عَمّا يَخْطُرُ بِبالِ أوْلِيائِهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ وكَذَلِكَ ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ثُمَّ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ، أيْ هو المَلِكُ القُدُّوسُ، ولَوْ قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ لَكانَ وجْهًا، كَقَوْلِ العَرَبِ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، كَذا ذَكَرَهُ في الكَشّافِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ: