Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 59:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ﴾ عائِدٌ إلى اليَهُودِ، أيْ فَأتاهم عَذابُ اللَّهِ وأخَذَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المُؤْمِنِينَ، أيْ فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ وتَقْوِيَتُهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، ومَعْنى: لَمْ يَحْتَسِبُوا، أيْ لَمْ يَظُنُّوا، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَتْلُ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ عَلى يَدِ أخِيهِ غِيلَةً، وذَلِكَ مِمّا أضْعَفَ قُوَّتَهم، وفَتَّتَ عَضُدَهم، وفَلَّ مِن شَوْكَتِهِمْ.
والثّانِي: بِما قَذَفَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ﴾ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ بِاتِّفاقِ جُمْهُورِ العُقَلاءِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ مَفْتُوحٌ، وأنَّ صَرْفَ الآياتِ عَنْ ظَواهِرِها بِمُقْتَضى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ جائِزٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”فَآتاهُمُ اللَّهُ“ أيْ فَآتاهُمُ الهَلاكُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَدْفَعُ ما بَيَّنّاهُ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَدْفَعُ القِراءَةَ الأُولى، فَإنَّها ثابِتَةٌ بِالتَّواتُرِ، ومَتى كانَتْ ثابِتَةً بِالتَّواتُرِ لا يُمْكِنُ دَفْعُها، بَلْ لا بُدَّ فِيها مِنَ التَّأْوِيلِ.
* *