Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 58:3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ دَقِيقٍ أوْ سَوِيقٍ، أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ أوْ صاعًا مِن شَعِيرٍ، ولا يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي الإطْعامَ، ومَراتِبُ الإطْعامِ مُخْتَلِفَةٌ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَلَيْسَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الباقِي، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى أقَلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ ظاهِرًا، وذَلِكَ هو المُدُّ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ ما رُوِيَ في حَدِيثِ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ: («لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ» ) وعَنْ عَلِيٍّ وعائِشَةَ قالا: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدّانِ مِن بُرٍّ؛ ولِأنَّ المُعْتَبَرَ حاجَةُ اليَوْمِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، فَيَكُونُ نَظِيرَ صَدَقَةِ الفِطْرِ، ولا يَتَأدّى ذَلِكَ بِالمُدِّ، بَلْ بِما قُلْنا، فَكَذَلِكَ هُنا.
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ أطْعَمَ مِسْكِينًا واحِدًا سِتِّينَ مَرَّةً لا يُجْزِئُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يُجْزِئُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ ظاهِرُ الآيَةِ، وهو أنَّهُ أوْجَبَ إطْعامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَوَجَبَ رِعايَةُ ظاهِرِ الآيَةِ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ الحاجَةِ وهو حاصِلٌ، ولِلشّافِعِيِّ أنْ يَقُولَ: التَّحَكُّماتُ غالِبَةٌ عَلى هَذِهِ التَّقْدِيراتِ، فَوَجَبَ الِامْتِناعُ فِيها مِنَ القِياسِ، وأيْضًا فَلَعَلَّ إدْخالَ السُّرُورِ في قَلْبِ سِتِّينَ إنْسانًا أقْرَبُ إلى رِضا اللَّهِ تَعالى مِن إدْخالِ السُّرُورِ في قَلْبِ الإنْسانِ الواحِدِ.