Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 58:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القِسْمُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الأُمُّ مَذْكُورَةً، ولا يَكُونَ الظَّهْرُ مَذْكُورًا، وتَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ فِيهِ أنَّ الأعْضاءَ قِسْمانِ، مِنها ما يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها غَيْرَ مُشْعِرٍ بِالإكْرامِ، ومِنها ما يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها مُشْعِرًا بِالإكْرامِ، أمّا الأوَّلُ: فَهو كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَرِجْلِ أُمِّي، أوْ كَيَدِ أُمِّي، أوْ كَبَطْنِ أُمِّي، ولِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ: الجَدِيدُ: أنَّ الظِّهارَ يَثْبُتُ، والقَدِيمُ: أنَّهُ لا يَثْبُتُ، أمّا الأعْضاءُ الَّتِي يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها سَبَبًا لِلْإكْرامِ، فَهو كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَعَيْنِ أُمِّي، أوْ رُوحِ أُمِّي، فَإنْ أرادَ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا، وإنْ أرادَ الكَرامَةَ فَلَيْسَ بِظِهارٍ، فَإنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، وإنْ أطْلَقَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. هَذا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وأمّا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في ”أحْكامِ القُرْآنِ“: إذا شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِعُضْوٍ مِنَ الأُمِّ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا، وهو قَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَيَدِ أُمِّي أوْ كَرَأْسِها، أمّا إذا شَبَّهَها بِعُضْوٍ مِنَ الأُمِّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ كانَ ظِهارًا، كَما إذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أوْ فَخِذِها، والأقْرَبُ عِنْدِي هو القَوْلُ القَدِيمُ لِلشّافِعِيِّ، وهو أنَّهُ لا يَصِحُّ الظِّهارُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ حِلَّ الزَّوْجَةِ كانَ ثابِتًا، وبَراءَةَ الذِّمَّةِ عَنْ وُجُوبِ الكَفّارَةِ كانَتْ ثابِتَةً، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ عَلى ما كانَ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ فِيما إذا قالَ: ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“ لِمَعْنًى مَفْقُودٍ في سائِرِ الصُّوَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ المَعْهُودَ في الجاهِلِيَّةِ هو قَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ ظِهارًا، فَكانَ هَذا اللَّفْظُ بِسَبَبِ العُرْفِ مُشْعِرًا بِالتَّحْرِيمِ، ولَمْ يُوجَدْ هَذا المَعْنى في سائِرِ الألْفاظِ، فَوَجَبَ البَقاءُ عَلى حُكْمِ الأصْلِ.