Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 57:25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَلْبِ لَحْظَةً لَماتَ الإنْسانُ في الحالِ، فَلا جَرَمَ جَعَلَهُ اللَّهُ أسْهَلَ الأشْياءِ وِجْدانًا، وهَيَّأ أسْبابَ التَّنَفُّسِ وآلاتِهِ، حَتّى إنَّ الإنْسانَ يَتَنَفَّسُ دائِمًا بِمُقْتَضى طَبْعِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ عَمَلٍ، وبَعْدَ الهَواءِ الماءُ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى الماءِ أقَلَّ مِنَ الحاجَةِ إلى الهَواءِ جَعَلَ تَحْصِيلَ الماءِ أشَقَّ قَلِيلًا مِن تَحْصِيلِ الهَواءِ، وبَعْدَ الماءِ الطَّعامُ، ولَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى الطَّعامِ أقَلَّ مِنَ الحاجَةِ إلى الماءِ، جَعَلَ تَحْصِيلَ الطَّعامِ أشَقَّ مِن تَحْصِيلِ الماءِ، ثُمَّ تَتَفاوَتُ الأطْعِمَةُ في دَرَجاتِ الحاجَةِ والعِزَّةِ، فَكُلُّ ما كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ أشَدَّ كانَ وِجْدانُهُ أسْهَلَ، وكُلُّ ما كانَ وِجْدانُهُ أعْسَرَ كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ أقَلَّ، والجَواهِرُ لَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلَيْها قَلِيلَةً جِدًّا، لا جَرَمَ كانَتْ عَزِيزَةً جِدًّا، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ أكْثَرَ كانَ وِجْدانُهُ أسْهَلَ، ولَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أشَدَّ مِنَ الحاجَةِ إلى كُلِّ شَيْءٍ فَنَرْجُو مِن
صفحة ٢١٢
فَضْلِهِ أنْ يَجْعَلَها أسْهَلَ الأشْياءِ وِجْدانًا، قالَ الشّاعِرُ:
سُبْحانَ مَن خَصَّ العَزِيزَ بِعِزِّهِ والنّاسُ مُسْتَغْنُونَ عَنْ أجْناسِهِ
وأذَلَّ أنْفاسَ الهَواءِ وكُلُّ ذِي ∗∗∗ نَفْسٍ فَمُحْتاجٌ إلى أنْفاسِهِ