Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 57:21-22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ مَكْتُوبَةٌ في الكِتابِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَإثْباتُها في الكِتابِ مُحالٌ، وأيْضًا خَصَّصَ ذَلِكَ بِالأرْضِ والأنْفُسِ وما أدْخَلَ فِيها أحْوالَ السَّماواتِ، وأيْضًا خَصَّصَ ذَلِكَ بِمَصائِبِ الأرْضِ والأنْفُسِ لا بِسَعاداتِ الأرْضِ والأنْفُسِ، وفي كُلِّ هَذِهِ الرُّمُوزِ إشاراتٌ وأسْرارٌ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: مِن قَبْلِ أنْ نَخْلُقَ هَذِهِ المَصائِبَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ الأنْفُسُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ نَفْسُ الأرْضِ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الكُلِّ قَدْ تَقَدَّمَ وإنْ كانَ الأقْرَبُ نَفْسَ المُصِيبَةِ؛ لِأنَّها هي المَقْصُودُ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأ المَخْلُوقاتِ، والمَخْلُوقاتُ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها إلّا أنَّها لِظُهُورِها يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْها كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: إنَّ حِفْظَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ هَيِّنٌ.
والثّانِي: إنَّ إثْباتَ ذَلِكَ عَلى كَثْرَتِهِ في الكِتابِ يَسِيرٌ عَلى اللَّهِ وإنْ كانَ عَسِيرًا عَلى العِبادِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١] .