Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 57:21-22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ والمُرادُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِتَكُنْ مُفاخَرَتُكم ومُكاثَرَتُكم في غَيْرِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، بَلِ احْرِصُوا عَلى أنْ تَكُونَ مُسابَقَتُكم في طَلَبِ الآخِرَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالمُسارَعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] ثُمَّ شَرَحَ هَهُنا كَيْفِيَّةَ تِلْكَ المُسارَعَةِ، فَقالَ: ﴿سابِقُوا﴾ مُسارَعَةَ المُسابِقِينَ لِأقْرانِهِمْ في المِضْمارِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسارَعَةُ إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ سابِقُوا إلى التَّوْبَةِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ سابِقُوا إلى سائِرِ ما كُلِّفْتُمْ بِهِ، فَدَخَلَ فِيهِ التَّوْبَةُ، وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ لا يُنالانِ إلّا بِالِانْتِهاءِ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي والِاشْتِغالِ بِكُلِّ الطّاعاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الأمْرَ يُفِيدُ الفَوْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ المُسارَعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّراخِي مَحْظُورًا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ وقالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾، فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: