Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 57:20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا حِكْمَةٌ وصَوابٌ؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالَ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولَوْلا أنَّها حِكْمَةٌ وصَوابٌ لَما قالَ ذَلِكَ، ولِأنَّ الحَياةَ خَلْقُهُ، كَما قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وأنَّهُ لا يَفْعَلُ العَبَثَ عَلى ما قالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] ولِأنَّ الحَياةَ نِعْمَةٌ بَلْ هي أصْلٌ لِجَمِيعِ النِّعَمِ، وحَقائِقُ الأشْياءِ لا تَخْتَلِفُ بِأنْ كانَتْ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى عَظَّمَ المِنَّةَ بِخَلْقِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فَأوَّلُ ما ذَكَرَ مِن أصْنافِ نِعَمِهِ هو الحَياةُ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ ما ذَكَرْنا عَلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا غَيْرُ مَذْمُومَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ مَن صَرَفَ هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا لا إلى طاعَةِ اللَّهِ بَلْ إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ ومُتابَعَةِ الهَوى فَذاكَ هو المَذْمُومُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَها بِأُمُورٍ:
أوَّلُها: أنَّها ﴿لَعِبٌ﴾ وهو فِعْلُ الصِّبْيانِ الَّذِينَ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم جِدًّا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ المَتاعِبَ تَنْقَضِي مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.