Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 57:8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وبَخَّ عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِشَرْطَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَدْعُوَ الرَّسُولُ، والمُرادُ أنَّهُ يَتْلُو عَلَيْهِمُ القُرْآنَ المُشْتَمِلَ عَلى الدَّلائِلِ الواضِحَةِ. الثّانِي: أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ، وذَكَرُوا في أخْذِ المِيثاقِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما نُصِبَ في العُقُولِ مِنَ الدَّلائِلِ المُوجِبَةِ لِقَبُولِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، واعْلَمْ أنَّ تِلْكَ الدَّلائِلَ كَما اقْتَضَتْ وُجُوبَ القَبُولِ فَهي أوْكَدُ مِنَ الحَلْفِ واليَمِينِ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ مِيثاقًا، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ تَطابَقَتْ دَلائِلُ النَّقْلِ والعَقْلِ، أمّا النَّقْلُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾، وأمّا العَقْلُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ ومَتّى اجْتَمَعَ هَذانِ النَّوْعانِ، فَقَدْ بَلَغَ الأمْرُ إلى حَيْثُ تَمْتَنِعُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَجِبُ إلّا بِالسَّمْعِ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَمَّهم بِناءً عَلى أنَّ الرَّسُولَ يَدْعُوهم، فَعَلِمْنا أنَّ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ دَعْوَةِ الرَّسُولِ.