Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 57:3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أمْكَنَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها مَعَ أنَّهُ يَسْقُطُ بِها اسْتِدْلالُ جَهْمٍ لَمْ يَكُنْ بِنا إلى حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذا المَجازِ حاجَةٌ، وذَكَرُوا في الظّاهِرِ والباطِنِ أنَّ الظّاهِرَ هو الغالِبُ العالِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أيْ غالِبِينَ عالِينَ، مِن قَوْلِكَ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ أيْ عَلَوْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: «وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» وأمّا الباطِنُ فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ العالِمُ بِما بَطَنَ، كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ يَظُنُّ أمْرَ فُلانٍ، أيْ يَعْلَمُ أحْوالَهُ الباطِنَةَ قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: أنْتَ أبْطَنُ بِهَذا الأمْرِ مِن فُلانٍ، أيْ أخْبَرُ بِباطِنِهِ، فَمَعْنى كَوْنِهِ باطِنًا، كَوْنُهُ عالِمًا بِبَواطِنِ الأُمُورِ، وهَذا التَّفْسِيرُ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا. أمّا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ فَإنَّهُ يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أحَدًا لا يُحِيطُ بِهِ ولا يَصِلُ إلى
صفحة ١٨٧
أسْرارِهِ، وإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِ غَيْرِهِ، ونَظِيرُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] .