Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 57:3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ماهِيَّتَهُ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ البَتَّةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الإنْسانَ لا يَتَصَوَّرُ ماهِيَّةَ الشَّيْءِ إلّا إذا أدْرَكَهُ مِن نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ الوِجْدانِ كالألَمِ واللَّذَّةِ وغَيْرِهِما أوْ أدْرَكَهُ بِحِسِّهِ كالألْوانِ والطُّعُومِ وسائِرِ المَحْسُوساتِ، فَأمّا ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَيَتَعَذَّرُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَتَصَوَّرَ ماهِيَّتَهُ البَتَّةَ، وهُوِيَّتَهُ المَخْصُوصَةَ جَلَّ جَلالُهُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا تَكُونُ مَعْقُولَةً لِلْبَشَرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ المَعْلُومَ مِنهُ عِنْدَ الخَلْقِ، إمّا الوُجُودُ وإمّا السُّلُوبُ، وهو أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ، وإمّا الإضافَةُ، وهو أنَّهُ الأمْرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا، والحَقِيقَةُ المَخْصُوصَةُ مُغايِرَةٌ لِهَذِهِ الأُمُورِ فَهي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ أظْهَرَ الأشْياءِ مِنهُ عِنْدَ العَقْلِ كَوْنُهُ خالِقًا لِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ، ومُتَقَدِّمًا عَلَيْها، وقَدْ عَرَفْتَ حَيْرَةَ العَقْلِ ودَهْشَتَهُ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأوَّلِيَّةِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِما قَدَّمْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الأوَّلُ وهو الآخِرُ، وهو الظّاهِرُ وهو الباطِنُ، وسَمِعْتُ والِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ كانَ يُرْوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أقْبَلَ المُشْرِكُونَ نَحْوَ البَيْتِ وسَجَدُوا.