Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 57:3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وخامِسُها: التَّقَدُّمُ بِالزَّمانِ، وهو أنَّ المَوْجُودَ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، مُتَقَدِّمٌ عَلى المَوْجُودِ في الزَّمانِ المُتَأخِّرِ، فَهَذا ما حَصَّلَهُ أرْبابُ العُقُولِ مِن أقْسامِ القَبْلِيَّةِ والتَّقَدُّمِ، وعِنْدِي أنَّ هَهُنا قِسْمًا سادِسًا، وهو مِثْلُ تَقَدُّمِ بَعْضِ أجْزاءِ الزَّمانِ عَلى البَعْضِ، فَإنَّ ذَلِكَ التَّقَدُّمَ لَيْسَ تَقَدُّمًا بِالزَّمانِ، وإلّا وجَبَ أنْ يَكُونَ الزَّمانُ مُحِيطًا بِزَمانٍ آخَرَ، ثُمَّ الكَلامُ في ذَلِكَ المُحِيطِ كالكَلامِ في المُحاطِ بِهِ، فَيَلْزَمُ أنْ يُحِيطَ بِكُلِّ زَمانٍ زَمانٌ آخَرُ لا إلى نِهايَةٍ بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّها حاضِرَةً في هَذا الآنِ، فَلا يَكُونُ هَذا الآنُ الحاضِرُ واحِدًا، بَلْ يَكُونُ كُلُّ حاضِرٍ في حاضِرٍ آخَرَ لا إلى نِهايَةٍ وذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وأيْضًا فَلِأنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الآناتِ الحاضِرَةِ مُتَأخِّرٌ عَنْ مَجْمُوعِ الآناتِ الماضِيَةِ، فَلِمَجْمُوعِ الأزْمِنَةِ زَمانٌ آخَرُ مُحِيطٌ بِها لَكِنَّ ذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ زَمانًا كانَ داخِلًا في مَجْمُوعِ الأزْمِنَةِ، فَإذًا ذَلِكَ الزَّمانُ داخِلٌ في ذَلِكَ المَجْمُوعِ وخارِجٌ عَنْهُ وهو مُحالٌ، فَظَهَرَ بِهَذا البُرْهانِ الظّاهِرِ أنَّ تَقَدُّمَ بَعْضِ أجْزاءِ الزَّمانِ عَلى البَعْضِ لَيْسَ بِالزَّمانِ، وظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ بِالعِلَّةِ ولا بِالحاجَةِ، وإلّا لَوُجِدا مَعًا، كَما أنَّ العِلَّةَ والمَعْلُولَ يُوجِدانِ مَعًا، والواحِدَ والِاثْنَيْنِ يُوجِدانِ مَعًا، ولَيْسَ أيْضًا بِالشَّرَفِ ولا بِالمَكانِ، فَثَبَتَ أنَّ تَقَدُّمَ بَعْضِ أجْزاءِ الزَّمانِ عَلى البَعْضِ قِسْمٌ سادِسٌ غَيْرُ الأقْسامِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى أوَّلٌ لِكُلِّ ما عَداهُ، والبُرْهانُ دَلَّ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى، لِأنّا نَقُولُ: كُلُّ ما عَدا الواجِبَ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ، فَكُلُّ ما عَدا الواجِبَ فَهو مُحْدَثٌ، وذَلِكَ الواجِبُ أوَّلٌ لِكُلِّ ما عَداهُ، إنَّما قُلْنا: