Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:80
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الإذْنِ قُرْآنًا، وبَيْنَ قَوْلِهِ: لَيْسَ القائِلُ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ عَلى غَيْرِ قَصْدٍ بِقارِئٍ لِلْقُرْآنِ، وأمّا الجَوابُ مِن حَيْثُ المَعْقُولُ فَهو أنَّ العِبادَةَ عَلى مُنافاةِ الشَّهْوَةِ، والشَّهْوَةُ إمّا شَهْوَةُ البَطْنِ، وإمّا شَهْوَةُ الفَرْجِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَخْلُو عَنْهُما، وإنْ لَمْ يَشْتَهِ شَيْئًا آخَرَ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، لَكِنَّ شَهْوَةَ البَطْنِ قَدْ لا تَبْقى شَهْوَةً بَلْ تَصِيرُ حاجَةً عِنْدَ الجُوعِ وضَرُورَةً عِنْدِ الخَوْفِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] أيْ لا يَكُونُ لِحاجَةٍ ولا ضَرُورَةٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا شَهْوَةُ الفَرْجِ فَلا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها شَهْوَةً وإنْ خَرَجَتْ تَكُونُ في مَحَلِّ الحاجَةِ لا الضَّرُورَةِ، فَلا يُعْلَمُ أنَّ شَهْوَةَ الفَرْجِ لَيْسَتْ شَهْوَةً مَحْضَةً، والعِبادَةُ فِيها مُنْضَمَّةٌ لِلشَّهْوَةِ، فَلَمْ تَخْرُجْ شَهْوَةُ الفَرْجِ عَنْ كَوْنِها عِبادَةً بَدَنِيَّةً قَطُّ، بَلْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِبُطْلانِ الحَجِّ بِهِ، وبُطْلانِ الصَّوْمِ والصَّلاةِ، وأمّا قَضاءُ شَهْوَةِ البَطْنِ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ شَهْوَةً مُجَرَّدَةً بَطَلَ بِهِ الصَّلاةُ والصَّوْمُ دُونَ الحَجِّ، ورُبَّما لَمْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلاةُ أيْضًا، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: خُرُوجُ الخارِجِ دَلِيلُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ البَطْنِيَّةِ، وخُرُوجُ المَنِيِّ دَلِيلُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ الفَرْجِيَّةِ، فَواجِبٌ بِهِما تَطْهِيرُ النَّفْسِ، لَكِنَّ الظّاهِرَ والباطِنَ مُتَحاذِيانِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتَطْهِيرِ الظّاهِرِ عِنْدَ الحَدَثِ والإنْزالِ لِمُوافَقَةِ الباطِنِ، والإنْسانُ إذا كانَ لَهُ بَصِيرَةٌ ويَنْظُرُ في تَطْهِيرِ باطِنِهِ عِنْدَ الِاغْتِسالِ لِلْجَنابَةِ، فَإنَّهُ يَجِدُ خِفَّةً ورَغْبَةً في الصَّلاةِ والذِّكْرِ وهُنا تَتِمَّةٌ لِهَذِهِ اللَّطِيفَةِ: وهي أنَّ قائِلًا لَوْ قالَ: لَوْ صَحَّ قَوْلُكَ لَلَزِمَ أنْ يَجِبَ الوُضُوءُ بِالأكْلِ كَما يَجِبُ