Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:80
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا كانَ الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فالصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ لِلْكِتابِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ: لا يَجُوزُ مَسُّ المُصْحَفِ لِلْمُحْدِثِ، نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ ما أخَذَهُ مِن صَرِيحِ الآيَةِ ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِنَ السُّنَّةِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «لا يَمَسُّ القُرْآنَ مَن هو عَلى غَيْرِ طُهْرٍ» أوْ أخَذَهُ مِنَ الآيَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْباطِ، وقالَ: إنَّ المَسَّ بِطُهْرٍ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْظِيمِ والمَسَّ بِغَيْرِ طُهُورٍ نَوْعُ إهانَةٍ في المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ الأضْدادَ يَنْبَغِي أنْ تُقابَلَ بِالأضْدادِ، فالمَسُّ بِالمُطَهَّرِ في مُقابَلَةِ المَسِّ عَلى غَيْرِ طُهْرٍ، وتَرْكُ المَسِّ خُرُوجٌ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما فَكَذَلِكَ الإكْرامُ في مُقابَلَةِ الإهانَةِ وهُناكَ شَيْءٌ لا إكْرامَ ولا إهانَةَ فَنَقُولُ: إنَّ مَن لا يَمَسُّ المُصْحَفَ لا يَكُونُ مُكَرَّمًا ولا مَهِينًا وبِتَرْكِ المَسِّ خَرَجَ عَنِ الضِّدَّيْنِ فَفي المَسِّ عَلى الطُّهْرِ التَّعْظِيمُ، وفي المَسِّ عَلى الحَدَثِ الإهانَةُ فَلا تَجُوزُ وهو مَعْنًى دَقِيقٌ يَلِيقُ بِالشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن يَقْرُبُ مِنهُ في الدَّرَجَةِ.