Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:60-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
بَدَّلْناكم عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنّا جَعَلْنا بَدَلًا فَلا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الفَناءِ عَلَيْهِمْ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: جَعَلْتُ كَذا بَدَلًا لا تَتِمُّ فائِدَتُهُ إلّا إذا قالَ: جَعَلْتُهُ بَدَلًا عَنْ كَذا لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ فالمَثَلُ يَدُلُّ عَلى المَثَلِ فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلْنا أمْثالَكم بَدَلًا لَكم، ومَعْناهُ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمْ نُقَدِّرِ المَوْتَ عَلى أنْ نُفْنِيَ الخَلْقَ دُفْعَةً بَلْ قَدَّرْناهُ عَلى أنْ نَجْعَلَ مَثَلَهم بَدَلَهم مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ نُهْلِكَهم جَمِيعًا ثُمَّ نُنْشِئَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ فِيما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الأوْصافِ والأخْلاقِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الأوْصافِ والزَّمانِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَدْرِي أنَّهُ مَتى يَمُوتُ ومَتى يُنْشَأُ أوْ كَأنَّهم قالُوا: ومَتى السّاعَةُ والإنْشاءُ ؟ فَقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِهِما، هَذا إذا قُلْنا: إنَّ المُرادَ ما ذُكِرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ وكَيْفَ يَكُونُ خالِقُ الشَّيْءِ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ ؟ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وعَلى ما ذَكَرْنا فِيهِ فائِدَةٌ وهي التَّحْرِيضُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ والإنْشاءَ وهو المَوْتُ والحَشْرُ إذا كانَ واقِعًا في زَمانٍ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَتَّكِلَ الإنْسانُ عَلى طُولِ المُدَّةِ ولا يَغْفُلَ عَنْ إعْدادِ العُدَّةِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ تَقْرِيرًا لِإمْكانِ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ.