Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:60-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والتَّحْقِيقُ في هَذا الوَجْهِ أنَّ مَن سَبَقَهُ الشَّيْءُ كَأنَّهُ غَلَبَهُ فَعَجَزَ عَنْهُ، وكَلِمَةُ عَلى في هَذا الوَجْهِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ المُسابَقَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَيْءٍ، فَإنَّ مَن سَبَقَ غَيْرَهُ عَلى أمْرٍ فَهو الغالِبُ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ وتَقْدِيرُهُ: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكم عَلى وجْهِ التَّبْدِيلِ لا عَلى وجْهِ قَطْعِ النَّسْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: خَرَجَ فُلانٌ عَلى أنْ يَرْجِعَ عاجِلًا، أيْ عَلى هَذا الوَجْهِ خَرَجَ، وتَعَلُّقُ كَلِمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أظْهَرُ، فَإنْ قِيلَ: عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ لا إشْكالَ في تَبْدِيلِ أمْثالِكم، أيْ أشْكالِكم وأوْصافِكم، ويَكُونُ الأمْثالُ جَمْعَ مِثْلٍ، ويَكُونُ مَعْناهُ وما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى أنْ نَمْسَخَكم، ونَجْعَلَكم في صُورَةِ قِرَدَةٍ وخَنازِيرَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] وعَلى ما قُلْتُ في تَفْسِيرِ المَسْبُوقِينَ، وجَعَلْتُ المُتَعَلِّقَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ هو قَوْلَهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ مَعْناهُ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَهم لا عَلى عَمَلِهِمْ، نَقُولُ: هَذا إيرادٌ وارِدٌ عَلى المُفَسِّرِينَ بِأسْرِهِمْ إذا فَسَّرُوا الأمْثالَ بِجَمْعِ المِثْلِ، وهو الظّاهِرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨] فَإنَّ قَوْلَهُ: (إذا) دَلِيلُ الوُقُوعِ، وتَغَيُّرُ أوْصافِهِمْ بِالمَسْخِ لَيْسَ أمْرًا يَقَعُ، والجَوابُ أنْ يُقالَ: الأمْثالُ إمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ مِثْلٍ، وإمّا جَمْعَ مَثَلٍ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مِثْلٍ فَنَقُولُ مَعْناهُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى هَذا الوَجْهِ، وهو أنْ نُغَيِّرَ أوْصافَكم فَتَكُونُوا أطْفالًا، ثُمَّ شُبّانًا، ثُمَّ كُهُولًا، ثُمَّ شُيُوخًا، ثُمَّ يُدْرِكَكُمُ الأجَلُ، وما قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُهْلِكَكم دُفْعَةً واحِدَةً إلّا إذا جاءَ وقْتُ ذَلِكَ فَتُهْلَكُونَ بِنَفْخَةٍ واحِدَةٍ وإنْ قُلْنا: هو جَمْعُ مَثَلٍ فَنَقُولُ مَعْنى: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ نَجْعَلُ أمْثالَكم بَدَلًا وبَدَّلَهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ بَدَلًا، ولَمْ يَحْسُنْ أنْ يُقالَ: