Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:60-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَنَقُولُ قَوْلُهُ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢] مَعْناهُ أماتَ وأحْيا لِتَعْلَمُوا أنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ، فَتَعْبُدُونَهُ وتَعْتَقِدُونَ الثَّوابَ والعِقابَ فَيَحْسُنُ عَمَلُكم ولَوِ اعْتَقَدْتُمُوهُ مُوجِبًا لَما عَمِلْتُمْ شَيْئًا عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ حَقِيقَتُهُ وهي أنّا ما سُبِقْنا وهو يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ هو الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ. وثانِيهِما: في خَلْقِ النّاسِ وتَقْدِيرِ المَوْتِ فِيهِمْ ما سُبِقَ وهو عَلى طَرِيقَةِ مَنعٍ آخَرَ، وفِيهِ فائِدَتانِ: أمّا إذا قُلْنا: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مَعْناهُ ما سَبَقَنا شَيْءٌ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّكم مِن أيِّ وجْهٍ تَسْلُكُونَ طَرِيقَ النَّظَرِ تَنْتَهُونَ إلى اللَّهِ وتَقِفُونَ عِنْدَهُ ولا تُجاوِزُونَهُ، فَإنَّكم إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: قَبْلَ النُّطْفَةِ أبٌ وقَبْلَ الأبِ نُطْفَةٌ فالعَقْلُ يَحْكُمُ بِانْتِهاءِ النُّطَفِ والآباءِ إلى خالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، وأنا ذَلِكَ فَإنِّي لَسْتُ بِمَسْبُوقٍ ولَيْسَ هُناكَ خالِقٌ ولا سابِقٌ غَيْرِي، وهَذا يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ التَّدَرُّجِ والنُّزُولِ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، والعاقِلُ الَّذِي هَداهُ اللَّهُ تَعالى الهِدايَةَ القَوِيَّةَ يَعْرِفُ أوَّلًا والَّذِي دُونَهُ يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ بِرُتْبَةٍ، والمُعانِدُ لا بُدَّ مِن أنْ يَعْرِفَ إنْ عادَ إلى عَقْلِهِ بَعْدَ المَراتِبِ، ويَقُولُ: لا بُدَّ لِلْكُلِّ مِن إلَهٍ، وهو لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ فِيما فَعَلَهُ، فَمَعْناهُ أنَّهُ فَعَلَ ما فَعَلَ، ولَمْ يَكُنْ لِمَفْعُولِهِ مِثالٌ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ، وأيُّ حاجَةٍ في إعادَتِهِ لَهُ بِمِثالٍ هو أهْوَنُ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا ورَدَ في سُؤالِ سائِلٍ، والمُرادُ ما ذَكَرْنا كَأنَّهُ قالَ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، أيْ لَسْنا بِعاجِزِينَ مَغْلُوبِينَ فَهَذا دَلِيلُنا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ أفادَ فائِدَةَ انْتِفاءِ العَجْزِ عَنْهُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ فائِدَةٌ ظاهِرَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ في الوَجْهِ المَشْهُورِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عَلى التَّبْدِيلِ، ومَعْناهُ وما نَحْنُ عاجِزِينَ عَنِ التَّبْدِيلِ.