Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:60-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عاجِزِينَ عَنْ خَلْقِ أمْثالِكم وإعادَتِكم بَعْدَ تَفَرُّقِ أوْصالِكم، يُقالُ: فاتَهُ الشَّيْءُ إذا غَلَبَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ومِثْلُهُ سَبَقَهُ وعَلى هَذا نُعِيدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّرْتِيبِ، ونَقُولُ: إذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ لِبَيانِ أنَّهُ خَلَقَ الحَياةَ وقَدَّرَ المَوْتَ، وهُما ضِدّانِ وخالِقُ الضِّدَّيْنِ يَكُونُ قادِرًا مُخْتارًا فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عاجِزِينَ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلافِ المُوجِبِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ مِن إيقاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضِّدَّيْنِ فَيَسْبِقُهُ ويَفُوتُهُ، فَإنَّ النّارَ لا يُمْكِنُها التَّبْرِيدُ؛ لِأنَّ طَبِيعَتَها مُوجِبَةٌ لِلتَّسْخِينِ، وأمّا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنِ المَوْتُ مِن فَناءِ الرُّطُوباتِ الأصْلِيَّةِ وانْطِفاءِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وكانَ بِخَلْقِ حَكِيمٍ مُخْتارٍ ما كانَ يَجُوزُ وُقُوعُهُ؛ لِأنَّ الحَكِيمَ كَيْفَ يَبْنِي ويَهْدِمُ ويُوجِدُ ويُعْدِمُ فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عاجِزِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَسْتَبْعِدُونَها مِنَ البَنّاءِ والصّائِغِ فَإنَّهُ يَفْتَقِرُ في الإيجادِ إلى زَمانٍ ومَكانٍ وتَمْكِينٍ مِنَ المَفْعُولِ وإمْكانٍ ويَلْحَقُهُ تَعَبٌ مِن تَحْرِيكٍ وإسْكانٍ واللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بِكُنْ فَيَكُونُ، فَهو فَوْقَ ما ذَكَرْنا مِنَ المَثَلِ مِن قَطْعِ النَّظَرِ وإعادَتِهِ في أسْرَعِ حِينٍ حَيْثُ لا يَصِحُّ مِنَ القائِلِ أنْ يَقُولَ: لِمَ قَطَعْتَ النَّظَرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ اللَّطِيفِ الَّذِي لا يُدْرَكُ ولا يُحَسُّ بَلْ رُبَّما يَكُونُ مُدَّعِي القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الشَّيْءِ في الزَّمانِ اليَسِيرِ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ يَأْتِي بِشَيْءٍ ثُمَّ يُبْطِلُهُ ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ ثُمَّ يُبْطِلُهُ، يَدُلُّكَ عَلَيْهِ فِعْلُ أصْحابِ خِفَّةِ اليَدِ، حَيْثُ يُوهِمُ أنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا ثُمَّ يُبْطِلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ إرادَةً مِن نَفْسِهِ القُدْرَةَ، وعَلى هَذا