Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:44-48
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأغْنِياءِ وكَيْفَ لا والإنْسانُ إذا نَظَرَ إلى حالِهِ يَجِدُها مُفْتَقِرَةً إلى مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ ولِباسِ الحَرِّ والبَرْدِ وما يَسُدُّ جُوعَهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها شُحُّ النَّفْسِ، ثُمَّ إنَّ أحَدًا لا يُغْلَبُ عَنْ تَحْصِيلِ مَسْكَنٍ بِاشْتِراءٍ أوِ اكْتِراءٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَ هو أعْجَزَ مِنَ الحَشَراتِ، لا تَفْقِدُ مُدَّخَلًا أوْ مَغارَةً، وأمّا اللِّباسُ فَلَوِ اقْتَنَعَ بِما يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ كانَ يَكْفِيهِ في عُمُرِهِ لِباسٌ واحِدٌ، كُلَّما تَمَزَّقَ مِنهُ مَوْضِعٌ يَرْقَعُهُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، بَقِيَ أمْرُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، فَإذا نَظَرَ النّاظِرُ يَجِدُ كُلَّ أحَدٍ في جَمِيعِ الأحْوالِ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ وشَرْبَةِ ماءٍ، غَيْرَ أنَّ طَلَبَ الغِنى يُورِثُ الفَقْرَ فَيُرِيدُ الإنْسانُ بَيْتًا مُزَخْرَفًا ومَأْكُولًا طَيِّبًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّوابِّ والثِّيابِ، فَيَفْتَقِرُ إلى أنْ يَحْمِلَ المَشاقَّ، وطَلَبُ الغِنى يُورِثُ فَقْرَهُ، وارْتِيادُ الِارْتِفاعِ يَحُطُّ قَدْرَهُ، وبِالجُمْلَةِ شَهْوَةُ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ، عَلى أنَّنا نَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ لا شَكَّ أنَّ أهْلَ القُبُورِ لَمّا فَقَدُوا الأيْدِيَ الباطِشَةَ، والأعْيُنَ الباصِرَةَ، وبانَ لَهُمُ الحَقائِقُ، عَلِمُوا ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الحالَةِ.
* * *