Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:39-40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ لَكِنَّ هُنا لَطِيفَةً: وهي أنَّهُ تَعالى قالَ في السّابِقِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ قَبْلَ ذِكْرِ السُّرُرِ والفاكِهَةِ والحُورِ، وذَكَرَ في أصْحابِ اليَمِينِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ، نَقُولُ: السّابِقُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الحُورِ العِينِ والمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، ونِعَمُ الجَنَّةِ تَتَشَرَّفُ بِهِمْ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَلْتَفِتُونَ إلَيْها فَقَدَّمَ ذِكْرَها عَلَيْهِمْ ثُمَّ قالَ: هَذا لَكم وأمّا السّابِقُونَ فَذَكَرَهم أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَكانَهم، فَكَأنَّهُ قالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ هَؤُلاءِ وارِدُونَ عَلَيْكم. والَّذِي يُتَمِّمُ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُقَدِّمْ ثُلَّةَ السّابِقِينَ إلّا لِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ حِسًّا فَقالَ: ﴿المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ﴾ [الواقعة: ١٢] ثُمَّ قالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ النِّعَمَ؛ لِكَوْنِها فَوْقَ الدُّنْيا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى مِنَ اللَّهِ فَإنَّها فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٣] فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لِتَمْيِيزِ مُقَرَّبِي المُؤْمِنِينَ مِن مُقَرَّبِي المَلائِكَةِ، فَإنَّهم مُقَرَّبُونَ في الجَنَّةِ وهم مُقَرَّبُونَ في أماكِنِهِمْ لِقَضاءِ الأشْغالِ الَّتِي لِلنّاسِ وغَيْرِهِمْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وقَدْ بانَ مِن هَذا أنَّ المُرادَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ هُمُ النّاجُونَ الَّذِينَ أذْنَبُوا وأسْرَفُوا وعَفا اللَّهُ عَنْهم بِسَبَبِ أدْنى حَسَنَةٍ لا الَّذِينَ غَلَبَتْ حَسَناتُهم وكَثُرَتْ، وسَنَذْكُرُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] .