Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:30-33
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَمْدُودٌ زَمانًا، أيْ لا زَوالَ لَهُ فَهو دائِمٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥] أيْ كَذَلِكَ.
الثّانِي: مَمْدُودٌ مَكانًا، أيْ يَقَعُ عَلى شَيْءٍ كَبِيرٍ ويَسْتُرُهُ مِن بُقْعَةِ الجَنَّةِ.
الثّالِثُ: المُرادُ مَمْدُودٌ أيْ مُنْبَسِطٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ [الحجر: ١٩] فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الوَجْهُ الثّانِي ؟ نَقُولُ: الظِّلُّ قَدْ يَكُونُ مُرْتَفِعًا، فَإنَّ الشَّمْسَ إذا كانَتْ تَحْتَ الأرْضِ يَقَعُ ظِلُّها في الجَوِّ فَيَتَراكَمُ الظِّلُّ فَيَسْوَدُّ وجْهُ الأرْضِ وإذا كانَتْ عَلى أحَدِ جانِبَيْها قَرِيبَةً مِنَ الأُفُقِ يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَيُضِيءُ الجَوُّ ولا يَسْخُنُ وجْهُ الأرْضِ، فَيَكُونُ في غايَةِ الطِّيبَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أيْ عِنْدِ قِيامِهِ عَمُودًا عَلى الأرْضِ كالظِّلِّ بِاللَّيْلِ، وعَلى هَذا فالظِّلُّ لَيْسَ ظِلَّ الأشْجارِ بَلْ ظِلٌّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ فِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَسْكُوبٌ مِن فَوْقُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ أكْثَرُ ما يَكُونُ عِنْدَهُمُ الآبارُ والبِرَكُ فَلا سَكْبَ لِلْماءِ عِنْدَهم بِخِلافِ المَواضِعِ الَّتِي فِيها العُيُونُ النّابِعَةُ مِنَ الجِبالِ الحاكِمَةُ عَلى الأرْضِ تَسْكُبُ عَلَيْها.