Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:27-29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ﴾ وأيَّةُ نِعْمَةٍ تَكُونُ في كَوْنِهِمْ في سِدْرٍ، والسِّدْرُ مِن أشْجارِ البَوادِي، لا بِمُرٍّ ولا بِحُلْوٍ ولا بِطَيِّبٍ ؟ نَقُولُ: فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ غَفَلَتْ عَنْها الأوائِلُ والأواخِرُ، واقْتَصَرُوا في الجَوابِ والتَّقْرِيبِ أنَّ الجَنَّةَ تُمَثَّلُ بِما كانَ عِنْدَ العَرَبِ عَزِيزًا مَحْمُودًا، وهو صَوابٌ ولَكِنَّهُ غَيْرُ فائِقٍ، والفائِقُ الرّائِقُ الَّذِي هو بِتَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ لائِقٌ، هو أنْ نَقُولَ: إنّا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا أنَّ البَلِيغَ يَذْكُرُ طَرَفَيْ أمْرَيْنِ، يَتَضَمَّنُ ذِكْرُهُما الإشارَةَ إلى جَمِيعِ ما بَيْنَهُما، كَما يُقالُ: فُلانٌ مَلِكُ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مَلِكُهُما ومَلِكُ ما بَيْنَهُما، ويُقالُ: فُلانٌ أرْضى الصَّغِيرَ والكَبِيرَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أرْضى كُلَّ أحَدٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: لا خَفاءَ في أنَّ تَزَيُّنَ المَواضِعِ الَّتِي يُتَفَرَّجُ فِيها بِالأشْجارِ، وتِلْكَ الأشْجارُ تارَةً يُطْلَبُ مِنها نَفْسُ الوَرَقِ والنَّظَرُ إلَيْهِ والِاسْتِظْلالُ بِهِ، وتارَةً يُقْصَدُ إلى ثِمارِها، وتارَةً يُجْمَعُ بَيْنَهُما، لَكِنَّ الأشْجارَ أوْراقُها عَلى أقْسامٍ كَثِيرَةٍ، ويَجْمَعُها نَوْعانِ: أوْراقٌ صِغارٌ، وأوْراقٌ كِبارٌ، والسِّدْرُ في غايَةِ الصِّغَرِ، والطَّلْحُ وهو شَجَرُ المَوْزِ في غايَةِ الكِبَرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَكُونُ ورَقُهُ في غايَةِ الصِّغَرِ مِنَ الأشْجارِ، وإلى ما يَكُونُ ورَقُهُ في غايَةِ الكِبَرِ مِنها، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ جامِعَةً لِجَمِيعِ الأشْجارِ نَظَرًا إلى أوْراقِها، والوَرَقُ أحَدُ مَقاصِدِ الشَّجَرِ ونَظِيرُهُ في الذِّكْرِ ذِكْرُ النَّخْلِ والرُّمّانِ عِنْدَ القَصْدِ إلى ذِكْرِ الثِّمارِ؛ لِأنَّ بَيْنَهُما غايَةَ الخِلافِ كَما بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ، فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما جامِعَةً لِجَمِيعِ الأشْجارِ نَظَرًا إلى ثِمارِها، وكَذَلِكَ قُلْنا في النَّخِيلِ والأعْنابِ، فَإنَّ النَّخْلَ مِن أعْظَمِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، والكَرْمُ مِن أصْغَرِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وبَيْنَهُما أشْجارٌ فَوَقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما جامِعَةً لِسائِرِ الأشْجارِ، وهَذا جَوابٌ فائِقٌ وفَّقَنا اللَّهُ تَعالى لَهُ.