Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إطْلاقِ اسْمِ الإبْرِيقِ عَلَيْها أنْ يَكُونَ فِيها شَرابٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الإناءُ المَمْلُوءُ الِاعْتِبارُ لِما فِيهِ لا لِلْإناءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فاعْتِبارُ الكَأْسِ بِما فِيهِ لَكِنْ فِيهِ مَشْرُوبٌ مِن جِنْسٍ واحِدٍ وهو المُعْتَبَرُ، والجِنْسُ لا يُجْمَعُ إلّا عِنْدَ تَنَوُّعِهِ فَلا يُقالُ لِلْأرْغِفَةِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ: أخْبازٌ، وإنَّما يُقالُ: أخْبازٌ عِنْدَما يَكُونُ بَعْضُها أسْوَدَ وبَعْضُها أبْيَضَ، وكَذَلِكَ اللُّحُومُ يُقالُ عِنْدَ تَنَوُّعِ الحَيَواناتِ الَّتِي مِنها اللُّحُومُ ولا يُقالُ لِلْقِطْعَتَيْنِ مِنَ اللَّحْمِ: لَحْمانِ، وأمّا الأشْياءُ المُصَنَّفَةُ فَتُجْمَعُ، فالأقْداحُ وإنْ كانَتْ كَبِيرَةً لَكِنَّها لَمّا مُلِئَتْ خَمْرًا مِن جِنْسٍ واحِدٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ لَها: خُمُورٌ، فَلَمْ يَقُلْ: كُئُوسٌ وإلّا لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلظُّرُوفِ؛ لِأنَّ الكَأْسَ مِن حَيْثُ إنَّها شَرابٌ مِن جِنْسٍ واحِدٍ لا يُجْمَعُ واحِدٌ فَيُتْرَكُ الجَمْعُ تَرْجِيحًا لِجانِبِ المَظْرُوفِ بِخِلافِ الإبْرِيقِ، فَإنَّ المُعْتَبَرَ فِيهِ الإناءُ فَحَسْبُ، وعَلى هَذا يَتَبَيَّنُ بَلاغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ لَفْظُ الكُئُوسِ إذْ كانَ ما فِيها نَوْعٌ واحِدٌ مِنَ الخَمْرِ، وهَذا بَحْثٌ عَزِيزٌ في اللُّغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْخِيرِ الكَأْسِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ، فَكَذَلِكَ في تَقْدِيمِ الأكْوابِ إذا كانَ الكُوبُ مِنهُ يُصَبُّ الشَّرابُ في الإبْرِيقِ ومِنَ الإبْرِيقِ الكَأْسُ.