Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 56:13-14
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْتُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ جُمْلَةٌ، وإنَّما كانَ الخَبَرُ عَيْنَ المُبْتَدَأِ لِظُهُورِ حالِهِمْ أوْ لِخَفاءِ أمْرِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ، فَكَيْفَ جاءَ خَبَرٌ بَعْدَهُ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ المَقْصُودُ قَدْ أفادَ ذِكْرَ خَبَرٍ آخَرَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ، كَما أنَّ واحِدًا يَقُولُ: زَيْدٌ لا يَخْفى عَلَيْكَ حالُهُ إشارَةً إلى كَوْنِهِ مِنَ المَشْهُورِينَ ثُمَّ يَشْرَعُ في حالٍ يَخْفى عَلى السّامِعِ، مَعَ أنَّهُ قالَ: لا يَخْفى؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ لِبَيانِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الغُرَباءِ كَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ لِبَيانِ عَظَمَتِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ عَدَدِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿الأوَّلِينَ﴾ مَن هم ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهم مَن كانَ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وإنَّما قالَ: ﴿ثُلَّةٌ﴾ والثُّلَّةُ
صفحة ١٣٠
الجَماعَةُ العَظِيمَةُ؛ لِأنَّ مَن قَبْلَ نَبِيِّنا مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ مَن كانَ مِن كِبارِ أصْحابِهِمْ إذا جُمِعُوا يَكُونُونَ أكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ السّابِقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى هَذا قِيلَ: إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعُبَ عَلَيْهِمْ قِلَّتُهم، فَنَزَلَ بَعْدَهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهَذا في غايَةِ الضَّعْفِ مِن وُجُوهٍ: