Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:54-55
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى مُخالَفَتِها لِجَنَّةِ دارِ الدُّنْيا مِن ثَلاثَةِ
صفحة ١١٢
أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الثَّمَرَةَ في الدُّنْيا عَلى رُءُوسِ الشَّجَرَةِ والإنْسانُ عِنْدَ الِاتِّكاءِ يَبْعُدُ عَنْ رُءُوسِها وفي الآخِرَةِ هو مُتَّكِئٌ والثَّمَرَةُ تَنْزِلُ إلَيْهِ. ثانِيها: في الدُّنْيا مَن قَرُبَ مِن ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ بَعُدَ عَنِ الأُخْرى وفي الآخِرَةِ كُلُّها دانٍ في وقْتٍ واحِدٍ ومَكانٍ واحِدٍ، وفي الآخِرَةِ المُسْتَقِرُّ في جَنَّةٍ عِنْدَهُ جَنَّةٌ أُخْرى. ثالِثُها: أنَّ العَجائِبَ كُلَّها مِن خَواصِّ الجَنَّةِ فَكانَ أشْجارُها دائِرَةً عَلَيْهِمْ ساتِرَةً إلَيْهِمْ وهم ساكِنُونَ عَلى خِلافِ ما كانَ في الدُّنْيا وجَنّاتِها وفي الدُّنْيا الإنْسانُ مُتَحَرِّكٌ ومَطْلُوبُهُ ساكِنٌ، وفِيهِ الحَقِيقَةُ وهي أنَّ مَن لَمْ يَكْسَلْ ولَمْ يَتَقاعَدْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وسَعى في الدُّنْيا في الخَيْراتِ انْتَهى أمْرُهُ إلى سُكُونٍ لا يُحْوِجُهُ شَيْءٌ إلى حَرَكَةٍ. فَأهْلُ الجَنَّةِ إنْ تَحَرَّكُوا تَحَرَّكُوا لا لِحاجَةٍ وطَلَبٍ، وإنْ سَكَنُوا سَكَنُوا لا لِاسْتِراحَةٍ بَعْدَ التَّعَبِ، ثُمَّ إنَّ الوَلِيَّ قَدْ تَصِيرُ لَهُ الدُّنْيا أُنْمُوذَجًا مِنَ الجَنَّةِ، فَإنَّهُ يَكُونُ ساكِنًا في بَيْتِهِ ويَأْتِيهِ الرِّزْقُ مُتَحَرِّكًا إلَيْهِ دائِرًا حَوالَيْهِ، يَدُلُّكَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] .