Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:46-49
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: جَنَّةٌ هي جَزاءٌ وجَنَّةٌ أُخْرى زِيادَةٌ عَلى الجَزاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: جَنَّتانِ جَنَّةٌ جِسْمِيَّةٌ والأُخْرى رُوحِيَّةٌ، فالجِسْمِيَّةُ في نَعِيمٍ والرُّوحِيَّةُ في رَوْحٍ فَكانَ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾
صفحة ١٠٩
[الواقعة: ٨٩] وذَلِكَ لِأنَّ الخائِفَ مِنَ المُقَرَّبِينَ، والمُقَرَّبُ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ.
وأمّا اللَّطِيفَةُ: فَنَقُولُ: لَمّا قالَ تَعالى في حَقِّ المُجْرِمِ إنَّهُ يَطُوفُ بَيْنَ نارٍ وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ، وهُما نَوْعانِ ذَكَرَ لِغَيْرِهِ وهو الخائِفُ جَنَّتَيْنِ في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَ في حَقِّ المُجْرِمِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ هُناكَ أنَّهم يَطُوفُونَ فَيُفارِقُونَ عَذابًا ويَقَعُونَ في الآخَرِ، ولَمْ يَقُلْ هَهُنا: يَطُوفُونَ بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ بَلْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مُلُوكًا وهم فِيها يُطافُ عَلَيْهِمْ ولا يُطافُ بِهِمُ احْتِرامًا لَهم وإكْرامًا في حَقِّهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ﴾ [الحجر: ٤٥] أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الجَنَّةَ والجَنّاتِ، فَهي لِاتِّصالِ أشْجارِها ومَساكِنِها وعَدَمِ وُقُوعِ الفاصِلِ بَيْنَهُما كَمَهامِّهِ وقِفارٍ صارَتْ كَجَنَّةٍ واحِدَةٍ، ولِسِعَتِها وتَنَوُّعِ أشْجارِها وكَثْرَةِ مَساكِنِها كَأنَّها جَنّاتٌ، ولِاشْتِمالِها عَلى ما تَلْتَذُّ بِهِ الرُّوحُ والجِسْمُ كَأنَّها جَنَّتانِ، فالكُلُّ عائِدٌ إلى صِفَةِ مَدْحٍ.