Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 55:46-49
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ بَعْضُهم: المُرادُ جَنَّةٌ واحِدَةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] وتَمَسَّكَ بِقَوْلِ القائِلِ:
ومَهْمَهَيْنِ سَرَتْ مَرَّتَيْنِ قَطَعْتُهُ بِالسَّهْمِ لا السَّهْمَيْنِ
فَقالَ: أرادَ مَهْمَهًا واحِدًا بِدَلِيلِ تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ في قَطَعْتُهُ وهو باطِلٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ بِالسَّهْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مَهْمَهانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَهْمَهًا واحِدًا لَما كانُوا في قَطَعْتُهُ يَقْصِدُونَ جَدَلًا، بَلْ يَقْصِدُونَ التَّعَجُّبَ وهو إرادَتُهُ قَطْعَ مَهْمَهَيْنِ بِأُهْبَةٍ واحِدَةٍ وسَهْمٍ واحِدٍ وهو مِنَ العَزْمِ القَوِيِّ، وأمّا الضَّمِيرُ فَهو عائِدٌ إلى مَفْهُومٍ تَقْدِيرُهُ قَطَعْتُ كِلَيْهِما وهو لَفْظٌ مَقْصُورٌ مَعْناهُ التَّثْنِيَةُ ولَفْظُهُ لِلْواحِدِ، يُقالُ: كِلاهُما مَعْلُومٌ ومَجْهُولٌ، قالَ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ [الكهف: ٣٣] فَوَحَّدَ اللَّفْظَ ولا حاجَةَ هَهُنا إلى التَّعَسُّفِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُعْطِيَ اللَّهُ جَنَّتَيْنِ وجِنانًا عَدِيدَةً، وكَيْفَ وقَدْ قالَ بَعْدُ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ فِيهِما. والثّانِي وهو الصَّحِيحُ أنَّهُما جَنَّتانِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُما جَنَّةٌ لِلْجِنِّ وجَنَّةٌ لِلْإنْسِ لِأنَّ المُرادَ هَذانِ النَّوْعانِ.
وثانِيهِما: جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، وجَنَّةٌ لِتَرْكِ المَعاصِي لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.